الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
331
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وشرّها وما ينافر طبع المتّصف بها . والسّعيد : ضدّ الشقيّ ، وهو المتلبّس بالسّعادة التي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها . والمعنى : فمنهم يومئذ من هو في عذاب وشدّة ومنهم من هو في نعمة ورخاء . والشّقاوة والسّعادة من المواهي المقولة بالتّشكيك فكلتاهما مراتب كثيرة متفاوتة في قوّة الوصف . وهذا إجمال تفصيله فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا إلى آخره . والزّفير : إخراج الأنفاس بدفع وشدّة بسبب ضغط التنفّس . والشّهيق : عكسه وهو اجتلاب الهواء إلى الصّدر بشدّة لقوة الاحتياج إلى التنفس . وخص بالذّكر من أحوالهم في جهنّم الزّفير والشّهيق تنفيرا من أسباب المصير إلى النّار لما في ذكر هاتين الحالتين من التّشويه بهم وذلك أخوف لهم من الألم . ومعنى ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ التأييد لأنّه جرى مجرى المثل ، وإلّا فإنّ السّماوات والأرض المعروفة تضمحلّ يومئذ ، قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] أو يراد سماوات الآخرة وأرضها . و إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ استثناء من الأزمان التي عمّها الظرف في قوله : ما دامَتِ أي إلّا الأزمان التي شاء اللّه فيها عدم خلودهم ، ويستتبع ذلك استثناء بعض الخالدين تبعا للأزمان . وهذا بناء على غالب إطلاق ما الموصولة أنّها لغير العاقل . ويجوز أن يكون استثناء من ضمير خالِدِينَ لأنّ ما تطلق على العاقل كثيرا ، كقوله : ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] . وقد تكرّر هذا الاستثناء في الآية مرّتين . فأمّا الأوّل منهما فالمقصود أنّ أهل النّار مراتب في طول المدة فمنهم من يعذّب ثمّ يعفى عنه ، مثل أهل المعاصي من الموحّدين ، كما جاء في الحديث : أنّهم يقال لهم الجهنميون في الجنّة ، ومنهم الخالدون وهم المشركون والكفّار . وجملة إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ استئناف بيانيّ ناشئ عن الاستئناف ، لأنّ إجمال المستثنى ينشئ سؤالا في نفس السّامع أن يقول : ما هو تعيين المستثنى أو لما ذا لم يكن الخلود عاما . وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى اللّه . وأمّا الاستثناء الثاني الواقع في جانب الَّذِينَ سُعِدُوا فيحتمل معنيين :